الصالحي الشامي

282

سبل الهدى والرشاد

رياضا معشبة وحياضا رواء ، فأكلوا وشربوا وسمنوا . فقال لهم : ألم ألقاكم على تلك الحالة فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء ، أن تتبعوني ؟ قالوا : بلى . قال : فإن بين يديكم رياضا أعشب من هذه وحياضا أروى من هذه فاتبعوني . فقالت طائفة : صدق والله لنتبعنه . وقالت طائفة : رضينا بهذا تقيم عليه . تنبيهات في بعض فوائد الحديث الأول : المثل : بفتح المثلثة والمراد به هنا : الصفة العجيبة الشأن ، أي صفتي وصفة ما بعثني الله به من الأمر العجيب الشأن كصفة رجل أتى قوما إلى آخره . والهدى والعلم : أي الطريقة والعمل . روى : ( من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا ) . والغيث : المطر ، وإنما اختير الغيث على سائر أسماء المطر ليؤذن باضطرار الخلق إليه حينئذ . قال تعالى : ( وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ) [ الشورى 28 ] وقد كان الناس في الزمن الأول قبل المبعث وهم على فترة من الرسل قد امتحنوا بموت القلب وذهاب العلم حتى أصابهم الله برحمة من عنده فأفاض عليهم سجال الوحي السماوي ، فأشبهت حالهم حال من توالت عليه السنون وأخلفتهم المخايل حتى تداركهم الله بلطفه وأرخت عليهم السماء عزاليها ، ثم كان حظ كل فريق من تلك الرحمة على ما ذكره من الأمثلة والنظائر . قال القرطبي والنووي تبعا للقاضي : ضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما جاء به من الدين مثلا بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه ، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه ، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت فكذا علوم الدين تحيي القلب الميت ، ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة التي نزل الغيث بها ، فمنهم العالم المعلم فهو بمنزلة الأرض الطيبة التي شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها . ومنهم الجامع للعلم المستغرق لزمانه في غير أنه لم يعمل بنوافله ولم يتفقه فيما جمع لكنه أداه لغيره فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به ، وهو المشار إليه بقوله ( نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها ) ( 1 ) . ومنهم من سمع العلم فلا يحفظه ولا يعمل به ولا ينقله لغيره ، فهو بمنزلة الأرض السبخة أو الملساء التي لا تقبل الماء أو تفسده على غيرها .

--> ( 1 ) أخرجه الشافعي في ترتيب المسند 1 / 16 والترمذي 5 / 34 ( 2658 ) وأبو داود 4 / 68 ( 3660 ) وابن ماجة 1 / 84 ( 230 ) وأحمد في المسند 5 / 183 .